محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )

122

الروض المعطار في خبر الأقطار

الرهن ؛ وأحب أهل بياسة إخراج الروم عن قصبتهم فداخلوا صاحب جيّان : عمر بن عيسى بن أبي حفص بن يحيى وسألوه المسير إليهم في جموعه ، فجاءهم بحشوده ومعه محمد بن يوسف المسكداليّ ، فدخلوا بياسة ، وأما من كان بالقصبة من الروم فلم يبالوا شيئا ، وأما من كان منهم بالمدينة فأتى عليه القتل بعد أن أبلوا في الدفاع ، إلا أنهم غلبوا بالكثرة ، وبقي أهل القصبة لا يستطيع أحد الوصول إليهم لحصانتها ، ولو أراد اللّه تعالى لوفّق هذا الوالي إلى المقام ، فإن أهل القصبة لم يكن عندهم شيء يقتاتونه إلا ما يأتيهم من المدينة مياومة ، فلو مكث عليها يوما أو يومين لضاقوا وخرجوا ، ولم يكن أهل ملتهم نصروهم إلا في مدة بعيدة لبعد المسافة ، ولكن أبى المقدار إلا أن يفرغ في يومه ذاك ولم يجسر على المبيت ليلة واحدة ، وظنّ أن الفجاج ترميه بالخيل والرجال ، فقال لأهل البلد : أنا راجع فمن أحب أن يخرج فليخرج ومن أحب أن يقعد فليقعد ، فرغبوا أن يمكث يوما أو يومين فأبى عليهم إلا الرجوع في يومه ، فلم يكن لأهل البلد بدّ من فراق بلدهم والخروج عن نعمتهم ، فتفرقوا في البلاد وبقي الروم في جميع المدينة وملكوها كلها . ومن أهل بياسة الأديب التاريخي أبو الحجاج يوسف بن إبراهيم البياسي « 1 » مصنف كتاب « الإعلام بحروب الإسلام » وغيره من تصانيفه . بيغو « 2 » : مدينة بالأندلس من عمل غرناطة ، كان عبد اللّه صاحب بياسة من بني عبد المؤمن وهو المعروف بالبياسي استدعى عدوّ الدين لما نزل عليه العادل ببياسة ، فحاصره فأقلع عنه دون شيء ، فلما لم يجد في المسلمين كبير إعانة استدعى النصارى فوصلوا إليه ، فسلم إلى ألفنش بياسة وجازى أهلها شرّ الجزاء ، بعد ما آووه ونصروه ، فأخرجهم منها وسار مع الفنش ليأخذ معاقل الإسلام باسمه ، فدخل قيجاطة من عمل جيان بالسيف ، فقتل العدوّ فيها خلقا [ كثيرا ] وأسر آخرين ، وكان حديثها شنيعا تنفر منه القلوب والأسماع ، ثم نهض أيضا ومعه العدو إلى لوشة من عمل غرناطة ، فاعتصم أهلها بسورها الحصين وقاتلوا أشدّ قتال ، وأسمعوه ما أهاج غيظه ، فلما تمكن منها سلّط عليهم عدوّهم في الدين ففتكوا بهم أشدّ الفتك ، ثم ساروا إلى بيغو هذه فأطال مع الفنش حصارها إلى أن دخل البلد بعد شدة وصالحه أهل القلعة ، وما زال أمره يقوى إلى أن احتوى على قرطبة ومالقة وكثير من معاقل هاتين القاعدتين وبلادهما ، فخاف منه العادل بإشبيلية وجمع من عنده من الجند ونظر في كفه عن جهته ، وكان ذلك في سنة اثنتين وعشرين وستمائة . بيروذ « 3 » : مدينة بين نهر تيرى ومناذر من ناحية فارس فتحت على يد أبي موسى في أيام عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه . بيروت « 4 » : في ساحل الشام وهي مرابط دمشق ، وفيها كان أبو الدرداء رضي اللّه عنه نازلا ؛ قال الأوزاعي : كان عندنا ببيروت عجائب ، ذكر عن رجل ممن يوثق به أنه رأى رجلا راكبا جرادة ، وذكر من عظم الرجل وعظم الجرادة ، قال : وعليه خفان طويلان أحمران ، وهو يقول : الدنيا باطل وباطل ما فيها ، ويقول بيده هكذا فحيثما أشار انساب الجراد إلى ذلك الموضع . قال : وكان عندنا رجل صياد يسافر يوم الجمعة ولا يأتي الجمعة ، قال : فخرج يوما فخسف به وببغلته فلم يبق منها إلا أذنها ، قال محمد بن بشر : ورأيت موضع مكانه ببيروت يلقى فيه التراب . وفي رواية أخرى قال الأوزاعي : رأيت ببيروت ثلاث عجيبات : رأيت رجلا من جراد في الماء وإذا رجل راكب على جرادة مسلك بالحديد وفي يده عصا وهو يومئ بيده وهو يقول : الدنيا باطل ، يرددها . ورأيت رجلا يكتب المصاحف بخط جيد في ستة أيام ، فكتب مصحفا فقال : كتبته في ستة أيام وما مسّنا من لغوب ، فجفّت يمينه ، ورأيت رجلا شابا كان يأوي في المسجد حسن العبادة حسن الصمت قليل الكلام ، فكان يلزم المسجد ، فخرج ذات يوم من المسجد بعد أن أغلقت الأبواب فجاء إلى باب المدينة فوقف عليه ساعة ، فإذا هو قد انفتح له وخرج وخرجت معه حتى وقف على شجر بلوط كثير ، فصعد شجرة فجعل يأكل ويرمي إلى الأرض فما يسمع صوت شيء يقع في الأرض ، فجئت إليه فقلت : السّلام عليكم ، فقال : وعليك السّلام أبا عمرو ، أتحب ؟ قلت : نعم ، فأخذ ملء كفه فدفعها إليّ فإذا هو رطب ، فأكلت ثم غاب عني فلم أره .

--> ( 1 ) له ترجمة في ابن خلكان 7 : 238 وفي الحاشية ذكر لمصادر أخرى ، وكانت وفاة البياسي سنة 653 بمدينة تونس . ( 2 ) بروفنسال : 60 ، والترجمة : 76 ( Priego ) بين غرناطة وقرطبة . ( 3 ) الطبري 1 : 2708 . ( 4 ) قارن بصبح الأعشى 4 : 111 .